الشيخ محمد علي طه الدرة
437
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
مسجدها ، أو في الهند ، وهو قول ضعيف ، أو بعين وردة بأرض الجزيرة ، وقيل : التنور : وجه الأرض جميعها ، وقيل : أعاليها ، وقيل : غير ذلك ، والمعتمد الأول هذا ؛ وما يقال : إنه عين التنور الموجودة قرب حمص ؛ لم يقل به أحد من المفسرين ، وكان فوران الماء منه إيذانا لنوح عليه السّلام ، ودليلا على هلاك قومه ، قال أمية بن أبي الصلت : [ الخفيف ] فار تنّورهم ، وجاش بماء * صار فوق الجبال حتّى علاها قال القرطبي : والتنور أعجمي عربته العرب ؛ لأن أصله : تنر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 2 ] و [ 23 ] من سورة ( يوسف ) تجد ما يسرك ويثلج صدرك . قُلْنَا احْمِلْ فِيها أي : في السفينة . مِنْ كُلٍّ أي : من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها احمل اثنين . زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ : ذكر وأنثى ، وذلك لبقاء أصل النسل بعد الطوفان ، هذا ؛ والزوج يطلق على الزوجة وحدها ، وعلى الزوج وحده ، وهو المراد هنا ؛ أي : احمل من كل فردين متزاوجين اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أول ما حمل نوح الدّرّة ، وآخر ما حمل الحمار . قال البغوي : وروى بعضهم أن الحية والعقرب أتيا نوحا عليه السّلام ، وقالا : احملنا معك ، فقال : إنكما سبب البلاء فلا أحملكما . فقالا : احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك ، فمن قرأ حين خاف مضرتهما : سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ لم يضراه ، وهناك أقوال وروايات كثيرة ضربت عنها صفحا . هذا ؛ ويذكر أن اللّه حشر لنوح السباع والطير وغيرهما . فجعل يضرب بيديه في كل نوع ، فتقع يده اليمنى على الذكر ، ويده اليسرى على الأنثى ، فيحملهما في السفينة . وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ : المراد بأهلك : زوجته المؤمنة وأولاده المؤمنون ، وهم : سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم . ومن سبق عليه القول في قديم الأزل بالهلاك وعدم الإيمان : ابنه كنعان وأمه واعلة فإنها كانت كافرة كامرأة لوط . وَمَنْ آمَنَ أي : احمل المؤمنين من غير أهلك . وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ : قيل : كان المؤمنون معه تسعة وسبعين وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم ، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم ، واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . هذا ؛ وقال الحسن رحمه اللّه تعالى : لم يحمل نوح - على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - في السفينة إلا ما يلد ويبيض ، فأما البق ، والذباب ، والدود ، فلم يحمل شيئا منها ، وإنما خرج من الطين ، هذا ؛ وإنما جيء ب ( علي ) لأن السابق ضار ، كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية رقم [ 101 ] من سورة ( الأنبياء ) . والمراد بالقول هنا ما عبر عنه في قوله تعالى : وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .